جلال الدين الرومي

3

المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي )

« يروى أن رجلا كان يلعن إبليس كل يوم ألف مرة . فبينما هو ذات يوم نائم إذ أتاه شخص فأيقظه وقال : قم فان الجدارها هو يسقط . فقال له : من أنت الذي أشفقت علىّ هذه الشفقة . فقال له : أنا إبليس . فقال : كيف هذا وأنا ألعنك كل يوم ألف مرة . فقال : هذا لما علمت من محل الشهداء عند الله ، فخشيت أن تكون منهم فتنال معهم ما ينالون » . ( عن قصص الأنبياء للثعلبي ، ص 36 . انظر أيضا : فروزانفر : مآخذ قصص ، 72 - 73 ) . لقد عالج الشاعر هذه القصة في أبيات تبلغ المائتين تقريبا ، تكاد تكون ملحمة صغيرة ، اختار لها الأشخاص وصاغ لها حوارا رائعا . وقد أقام جلال الدين عمله على حوار بين معاوية بن أبي سفيان والشيطان . يمثل معاوية المؤمن الذي يقاوم خداع الشيطان ، ويفلح في اكتشاف مكره بعد حوار طويل ، دافع فيه الشيطان عن نفسه ، وحاول أن يقدم تبريرا خلقيا لأعماله . ونلحظ هنا المقدرة الدرامية في اختيار الشخصية التي وضعها في مواجهة الشيطان . فاختيار معاوية لهذا الدور لم يكن لمجرد أنه واحد من الصحابة المؤمنين ، بل لما اتصف به من دهاء يجعله قادرا على متابعة الحوار مع الشيطان ، ويتيح القدر الضروري من الصراع الذي ينبغي توفره في مثل هذا العمل الفنى . وقد أتاح الشاعر للشيطان كل امكانات الدفاع عن النفس ، وأورد على لسانه كل ما يمكن من الحجج لتبرير موقفه ، ولم يصل به إلى موقف الهزيمة الا بعد أن أتاح له بيان أسباب سقوطه ومواقفه الأخلاقية . ونحن نلمس كيف نجح الشاعر في صوغ الحوار ، وتصوير كل من طرفيه . ولن نستطيع هنا أن نورد كثيرا من نصوص هذا العمل الفنى ، ولا بد من الاكتفاء باقتباس قليل من أبياته . تبدأ القصة في قصر معاوية ، حيث كان هذا الخليفة نائما ، والقصر موصد الأبواب ، فيوقظه رجل ، يعترف له بأنه إبليس . وحين يسأله معاوية عن السبب الذي دعاه إلى أن يقطع عليه سباته يجيبه إبليس بقوله :